يوم غير مجرى التاريخ 24-1-1848م (ثورة الذهب في كاليفورنيا)

المدونة 6

“جون ستر لديه حلم”

كرجل شاب ترك موطنه الأصلي سويسرا, هجر زوجته وخلف وراءه مجموعة من الديون لا تحصى من أجل البحث عن الثروة في العالم الجديد.

بعد وصوله إلى قارة أمريكا الشمالية, ارتحل مع مجموعة من المبشرين إلى أن استقروا في مقاطعة ألفا كاليفورنيا المكسيكية  وتعد من أكثر المناطقة خصوبةً في العالم,  هذا المكان لا يبعد كثيراً عما نعرفه في يومنا الحاضر بمدينة سكارامنتو, بدأ ستر هنا بالعمل اتخذ من الأرض مقراً لمشروع حيوي يحوي على عدة محلات ومعامل حتى ازدهر وتطور ليكون مركزاً زراعياً سماه فيما بعد بـ (سويسرا الجديدة).

في عام 1848م كان قد مرَ على مكوث ستر عقد من الزمان كانت المنطقة  تمر بمرحلة فاصلة وحاسمة في تاريخها كاليفورنيا لم تعد تحت الحكم المكسيكي فالجيش الأمريكي قام بإحتلالها وإعلانها كولاية أمريكية, ولكن ستر ظل بعيداً عن هذه الأحداث العاصفة حيث كان يفكر في بناء مرعى معزول وبعيد عن البلدة لكنه لم يتمكن من إكماله  فقام بتعيين شاب أصغر منه في العمر يدعى جيمس مارشال حتى يبني له مصنع خاص بنشر الأخشاب يقع بالقرب من النهر الأمريكي. وتلك الحادثة كانت قد جعلت من جيمس مارشال أول من أكتشف الذهب في المنطقة.

في صباح الـ 24 من يناير عام 1848م لاحظ مارشال وجود شيء يلمع فوق سطح القناة التي كان من المفترض بناء المنشرة فيها استدعت اهتمامه فكتب ملاحظة يذكر فيها:  ” لقد التقطت قطعتين اثارت اهتمامي فقمت باختبارهما ومن حسن الحظ أن لدي معلومات لابأس بها حول المعادن وأستطيع أن أؤكد لك أنه بأي حال من الأحوال لايمكن القول بأن تلك القطعتين عبارة عن حديد, فهما شديدتا اللمعان وهشة وحسب خبرتي فأن الذهب يمتاز بكونه ذو لمعان وقابل للتشكل” ثم قام مارشال بحشر القطعة بين صخرتين ووجد أنه من الممكن تغيير شكلها ولكن دون كسرها وتلك التجربة أكدت مصداقية كلامه.

بعد هذا قام مارشال بأخذ عدة قطع إلى السيد سكوت, النجار المسؤول على عمل المنشرة, وقال له:

لقد وجدته.

سكوت: ماذا وجدت؟

مارشال: الذهب.

بالنسبة لجون ستر نزل هذا الخبر عليه كالصاعقة وقد علم بأن مثل هذه الأخبار من الممكن أن تؤدي إلى تحطيم آماله في بناء المراعي النائية  لذا حاول التكتم على الخبر, لكن الرجال تحدثوا والشائعات بدأت تنتشر وبعد بضعة أسابيع قليلة كانت القصص تحاك حول عمال ستر وعن ثروتهم الوافرة من الذهب يشترون بها بضائع مختلفة من منطقة سويسرا الجديدة.

موزع وصاحب محل من سان فرانسيسكو يدعى صامويل برانان ذهب إلى المكان لرؤية الذهب بنفسه, عندما وجده وتأكد من صحة الشائعات كان أول عمل يقوم به هو فتح محل لبيع المؤون في المنطقة بعد ذلك قام بالعودة لسان فرانسيسكو وأرتدى أفضل مالديه من ملابس وقام بالسير في البلدة واضعاً فوق رأسه قارورة مليئة بالذهب صارخاً بأعلى صوته “ذهب ذهب ذهب” “ذهب من النهر الأمريكي”.

في الشهور القليلة التالية كانت الأمور قد تغيرت, الأخبار وصلت للساحل الشرقي في أغسطس. في ديسمبر قام الرئيس بولك بطلب للكونغرس من أجل  تلك الأخبار القادمة من كاليفورنيا وما اللذي ستتخذه الدولة حيال هذا الأمر.  ومنذ بداية العام  1849م بدأ المنقبون عن الذهب بالتوجه للولاية للبحث عنه “الجميع كان يسمع صدى يملأ أرجاء المكان بالكلمات ذاتها ذهب, ذهب, ذهب” أحدى الصحف تذكر ممتعضة ” بينما الأراضي تترك, والمنازل لا يكتمل بناءها وكل شيء هنا أصبح غير مكتمل بينما في الجهة الأخرى نرى تصنيع مجارف وفؤوس بكميات مهولة” .

منذ البداية عُرفت سان فرانسيسكو بخلوها من السكان خلال الليل والسبب لأن سكانها أصبحوا مهوسين بالذهاب لحقول الذهب ولكن الكثير ممن أتى خلال حقبة 49 (أي بعد عام 1849م) غيروا الكثير من معالم تلك البلدة, في يناير 1848م كان عدد سكانها لا يتجاوز 800 شخص ولكن بحلول العام 1850م أصبحوا تقريباً 25000 شخص معظمهم يقطن في الأكواخ والخيم. العديد من البحارة تركوا سفنهم أملاً في الحصول على الذهب وبالتالي تحولت سفنهم إلى مخازن ومحلات وفنادق صغيرة للنزول فيها بل أصبحت ايضاً سجون عائمة.

ثورة الذهب في كاليفورنيا تعد أعظم نزوح عرفته الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها وذلك بهجرة مايقارب 300000 شخص إلى الساحل الغربي في بضع سنوات فقط. مع بناء موانئ وسكك حديدية تلبي الأحتياجات الجديدة تحولت ولاية كاليفورنيا بين ليلة وضحاها إلى مكان آخر, مكان أقرب ما يكون إلى الحلم يراود فكر كل شخص يحلم بالثراء السريع فأصبحت تدعى بالولاية الذهبية.

القوانين الصارمة خلفت وراءها خاسرين في هذا الحلم أكثر من المنتصرين, القليل من المنقبين عن الذهب تحولوا إلى أغنياء بينما عشرات الألآف من الهنود الحمر قتلوا أما من قبل المهاجرين أو بسبب أمراض أصابتهم.

بالنسبة لجيمس مارشال مصنعه الخاص بالنشارة خسر وأنتهى به المطاف مفلساً, بينما جون ستر أصبحت “سويسرا الجديدة” مهجورة ومات مقهورا من رؤية أحلامه تتطاير من أمامه . هذه هو حال من اكتشفوا الذهب لم يساعدهم هذا الأكتشاف في أي شيء بل على العكس تماماً كان كاللعنة طاردتهم حتى مماتهم.

نشر بواسطة BBC History Magazine

Advertisements