متعة الاكتشافات الجديدة

tumblr_m5znwtXCtZ1rppeeoo1_r1_500

كنت أتصفح موقع التمبلر لتقع عيني على هذه الصورة كُتب تحتها (فيليب روث روائي أمريكي متقاعد – 1968م). في البدء أعترف بإنجذابي للصورة , لما لا وفيها مقومات الجمال بالنسبة لي رجل في منتصف الثلاثينات كرسي وآلة كاتبة  نظارة في الوجه  والسر الأكبر الألوان (الأبيض والأسود).

كنت قد قررت منذ فترة ليست بالقريبة الخوض في غمار الأدب الأمريكي لماذا؟حسناً نظراً لكم الأفلام والمسلات وبرامج التلفاز التي تنتج في تلك البلاد, ولشعبيتها الجارفة بيننا من بينهم أنا إذاً من الضروري استنادها على أدب (روايات – قصص قصيرة) حتى تبرز بهذا الشكل الكبير.

كانت لي محاولات عديدة لإقتحام هذا الأدب, في البداية كانت المصافحة مع إرنست هيمنجواي وروايته “لمن تقرع الأجراس” ويبدو ان تلك الأجراس قد خبت صوتها فصعب علي الأستماع لها, ناهيك عن أحداث تلك الرواية تجري في الأراضي الإسبانية وليس الأمريكية, كانت مصافحة سيئة للغاية جعلت مني وحيدة مرة أخرى في عالم هذا الأدب ثم اتى جون ستاينبيك وروايته ” عناقيد الغضب” هنا سأذكر اعترافاً صغيراً ربما لم أكن مهيئة تماماً لقراءة رواية بهذا الحجم وبتلك الأهمية نتج عن ذلك نفور أدى إلى ترك الرواية جانباً وربما العودة لها في وقت لاحق ان شاءالله. إلى ان جاء بول أوستر وكتابه ” في بلاد الأشياء الأخيرة” انهيتها بسرعة ربما لقصر حجم الرواية أعجبتني لم تكن بالعمل المذهل لكن تركيبة الرواية وشخوصها كانت أمريكية بحتة هنا وجدت نفسي أخيراً في رواية ذو عالم أمريكي ومن أجل هذا السبب بحثت عن روايات أخرى لأوستر فكانت روايته “رجل في الظلام” ويالحسن الحظ كانت أجمل من سابقتها ذلك الأعجاب دفعني لشراء كتابي سيرة ذاتية له (باللغة الإنجليزية) هما: “The Invention of Solitude – Winter Journal” بدأت في قراءة الأولى لكن مع الأسف لم انهها إلى الآن والسبب لأن قراءتي الإنجليزية مازالت بطيئة وتحتاج إلى تدريب أكثر ما ان أصل إلى جملة يصعب علي فهمها حتى يتعكر المزاج مما يؤدي لعودة الكتاب إلى الرف, لكنني مازالت أمني النفس على إكمالها.

نعود لتلك الصورة بعد ما رأيتها أخذت الاسم “فيليب روث” كتبته في محرك البحث غوغل ظهرت لي نتائج عديدة قرأت بعض المراجعات الحسنة لرواياته في موقع الـGoodreads  وأتكلم هنا عن النسخ المترجمة للعربية , قررت إضافة كلمة أخرى بجانب فيليب روث في مربع البحث وهي PDF  كان أول خيار أمامي “الوصمة البشرية – فيليب روث ترجمة فاطمة ناعوت” ضغطت زر التحميل لأتفاجئ برواية من الحجم الكبير جداُ حوالي 600 صفحة, هذه مشكلة أخرى كتاب بمثل هذا الحجم يصعب قرائته من خلال قاريء إلكتروني أو ببساطة كما في حالتي من شاشة الجوال, هدئت من روعي وقلت لا بأس سأحاول ولما لا تجربة الأشياء الجديدة شيء جميل, بدأت في قراءة الرواية الصفحة تلو الصفحة وجدت نفسي أمام قلم جذاب وساحر الكلمات تنساب منه بسهولة ولعبة الضمائر كانت عظيمة, و أماكن حدوث الرواية جذابة وأزمنتها ايضاً حيث أنها تتخذ من العام 1998م نقطة انطلاق لها مع العودة إلى الوراء لنصل إلى خمسينيات القرن الماضي ذاكرة أهم الأحداث التي مرت على البلاد. بطل هذه القصة هو البروفيسور كولمن سيلك متخصص في أدب الكلاسيكيات في جامعة صغيرة تدعى أثينا يتهم في آخر عمره المهني بالعنصرية  والسبب نعته لطالبين متغيبين دوماً عن محاضراته بالـ “Spooks”  وهي كلمة تحمل معنيين أحدهما حميد وندر استعماله في ذلك الوقت والآخر عنصري وهي الدارجة  بشكل أكبر لكن السر العظيم هو أن البروفيسور سيلك كان قد تنكر منذ زمن بعيد لأصله خوفاً من معاملته بالعنصرية . ووصف روث هذه الحالة بتلك الأسطر:

السفر والترحال عبر الحياة بشخصية مستعارة, كان ببساطة يغلق الباب في وجه الماضي والناس والعرق الذي لم يرد أن يربطه به أي شيء حميمي أو رسمي. هل كان ذلك هو الحاجز الأجتماعي الذي أراد أن يتخطاه؟ هل كان وحسب كأي أمريكي آخر خلف حدود التقاليد الضخمة رحب بدعوة الديمقراطية التي تنادي بإلقاء أصوله في البحر إذا ما أسهم ذلك في سعادته؟

 

بالطبع الرواية لم تسلط الضوء على سيلك فقط بل هناك شخصيات عدة بمرجعيات مختلفة كالبروفيسورة دلفين روكسي تلك الشابة الطموحة , المستقلة بذاتها والقادمة من فرنسا لتشق طريقها بنفسها هنا في بلاد العم سام بعيداً عن الطبقة البروجوازية المحيطة بها في فرنسا, وكما وصفها روث لنا “العاشقة المتيمة بكونديرا” , هي ستكون السبب الرئيسي في إثارة تهمة العنصرية ضد البروفيسور سيلك مما يؤدي إلى اتخاذه قرار التقاعد, لكنك قد تشعر بالعطف عليها خصوصاً بعد معرفتك بنجاحاتها العملية وفي سن صغيرة جداً إلا انها كانت ومازالت تشعر بالوحدة الشديدة, الوحدة القاتلةالتي تصيب الإنسان عندما يفتقد لإنسان آخر يشاركه حياته. نأتي للشخصية الأغرب والتي غيرت مجرى حياة سيلك, فونيا, ستربطها علاقة مع كولمن سيلك بعد وفاة زوجته وتقاعده, تلك الشخصية النقيض لسيلك في العمر, في المهنة (عاملة نظافة), وفي المستوى التعليمي (لم تتم تعليمها المدرسي). مرت هي الأخرى بظروف صعبة موت طفليها بحريق ونزوات طليقها فيرلي (كالضرب والأعتداء عليه) الجندي السابق في حرب فيتنام والذي مازال يعاني من اضطرابات عصبية نتيجةً لذهابه إلى هناك.

أشياء عديدة سوف تكتشفها في الرواية كالعنصرية, التخفي وراء ماضي مجهول, الوحدة القاتلة, والطبقية. ستكتشف أيضاً تطورات في المجتمع الأمريكي في بدايات القرن العشرين حتى نهايته. إذاً هذه الرواية لم تكن مجرد مصافحة بل كانت عناقاً طويلاً, أعتبرتها عتبة أولى في سلم التواصل مع فكر وخيالات فيليب روث. ذكرني هذا الأندفاع بإندفاع عشته قبل عامين مع الكاتب التركي أورهان باموق ألتهمت له ثلاث روايات وكتاب سيرة ذاتية وآخر مقالي لم يخذلني إلا في واحدة فقط وأتمنى أن ينتابني هذا الرضا حين أقرأ المزيد من كتب فيليب روث.

لكن لو عدنا للصورة مرة أخرى ستجدون كلمة كُتبت تحتها “كاتب متقاعد” هي بصراحة المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الوصف لكاتب مازال على قيد الحياة, دائماً مايكون الحد الفاصل بين الكتابة والتوقف عنها هو الموت. بحثت في لقاءات فيليب روث في الأنترنت ووجدت هذا اللقاء المترجم في مجلة الدوحة في صحيفة فرنسية بعد إعلانه عن التقاعد, سأذكر بعض المقتطفات منه لعلها تشرح الأسباب التي أدت لإتخاذه هذا القرار:

لم أعد أريد كتابة الروايات. لقد اكتفيت بعد خمسين سنة, لقد تخلصت من سيدي وصرت أتنفس بحرية, لم أعد أريد أن أكون عبداً لمتطلبات الأدب ودقته, لم أكن أرغب في المتابعة وتوقفت هذا كل شيء

وهنا يتحدث عن انحدار القراءة في عصرنا الحالي:

الأشخاص الذين يأخذون القراءة على محمل الجد يتراجع بسرعة في الولايات المتحدة, هذا الأمر أكيد حتماً نحن مضطرون إلى الإقرار بالنجاح الكبير للشاشات من كل الأنواع. المطالعة الجدية أو العابرة لاتتمتع بفرصة أمام الشاشات: أولاً شاشة السينما ثم شاشة التليفزيون, وحالياً شاشة الكمبيوتر التي تنتشر, واحدة في الجيب, وأخرى على المكتب وثالثة في اليد وقريباً ستوضع واحدة بين أعيننا. لماذا لاتتمتع المطالعة الحقيقة بأي فرصة؟ لأن المتعة التي يشعر بها المرء أمام الشاشة أسرع وأكثر حسية.لم تعرف المطالعة عصراً ذهبياً في الولايات المتحدة ولكنني شخصياً لا أتذكر أنني شهدت عصراً حزيناً كهذا بالنسبة للمطالعة

 

tumblr_mropiwNrxg1r8z8kao1_400

مخرج:

في الصيف الماضي كنت في رحلة سياحية لمدة شهر في الولايات المتحدة الأمريكية زرت فيها الساحلين الشرقي والغربي ركبت العديد من الطائرات حتى ضجرت منها. عندما أقترب موعد رحلة العودة أقترحت على أخي الذهاب إلى مطار مدينة واشنطن بالسيارة وإلغاء رحلة نيويورك – واشنطن, لأن سير الرحلة كان كالآتي (نيويورك-واشنطن-جدة-الرياض) كانت فرصة لاتعوض لأكتشاف المساحات الخضراء الشاسعة بين المدينتين, لأن الطبيعة في هذه المكان من البلاد تختلف كلياً عما كانت عليه في كاليفورنيا, الصخرية إلى حد ما, هي أشبه بالطابع الأوروبي. وافق أخي على الأقتراح سريعاً. سرنا في الطريق الواصل بين المدينتين كانت المسافة تزيد بقليل عن الـ300 ميل أي مايعادل ثلاث ساعات ونصف أو أربع ساعات, إذا كان هناك زحام وهو ماشهدناه على الطريق, بالسيارة. بعد خروجنا من نيويورك مررنا بولاية نيوجرسي لن أنسى تلك اللوحة الخضراء ذات السهم الأبيض المشير إلى مخرج قادم لمدينة تدعى Newark  نيوآرك؟ أذكر استغرابي من الأسم وقلت لأخي “هذه المدينة تريد أن تستنسخ اسم مدينة نيويورك لعله يضفي أهمية عليها لكن ياللفرق الشاسع” قلت هذا وأنا أنظر من نافذة السيارة على أطلال المدينة كانت صغيرة قديمة “متسخة” لا أعلم لماوصفتها بذلك لكنها كانت تبدو فعلاً متسخة.

الآن بعد تعرفي على روث أكتشفت أن تلك المدينة هي مسقط رأسه وجل أحداث رواياته تحدث فيها رغم مغادرته لها في سن السادسة عشر بعد خلاف مع والده, لا أعلم لكن ينتابني شعور بالندم لو كنت عرفت روث قبل تلك الرحلة لكان حتماً علي اتخاذ مسار المخرج والذهاب لتلك المدينة.