الماء سر الحياة

 

tumblr_ojf066kfts1snegd3o1_1280

Tumblr

 

في الأسبوعين الماضيين اتممت قراءة كتاب “مستقبل الماء” للكاتب الفرنسي إريك أورسينا سأوجز في الأسطر القادمة بشكل مبسط أهم النقاط التي تناولها أورسينا عن هذا الموضوع.

أورسينا ظل مدة عامين يجوب العالم بغية دراسة الماء مستقبله وتأثير الأنحباس الحراري وتقلبات المناخ المختلفة عليه. في الفصل الأول تحدث عن الماء وعن تكوينه كمركب ناتج من اتحاد ذرتين هيدروجين مع ذرة أوكسيجين واستطرد في حديثه ليتكلم عن أهميته القصوى في حياتنا, وفي اعتقادي كلنا نعي اهمية هذا المورد الحيوي في حياتنا. إذن سأنتقل بسرعة لتلخيص أهم ماجاء في رحلات أورسينا. بدأ رحلته في أستراليا ولخص حال هذا البلد في جملة “استبداد البعد” نظراً لبعد القارة عن بقية بلدان العالم. أهم مشكلة تعاني منها أستراليا من ناحية الثروة المائية هي الجفاف ناهيك عن مناجمها والتي تخلف فضلات كبيرة وخطيرة تسبب أضراراً بالغة للبيئة ولمحاولة تقليل تلك الأضرار يتوجب عليهم غسلها بكميات كبيرة من الماء, سبعة ملايين لتر يومياً لمنجم نيومون وحده, إذن الطلب على الماء كبير جداً في بلاد الكنغر. دليل آخر على حالة الجفاف التي تعم البلاد بحيرة جورج أصبحت مرعى لقطعان الخراف تسرح فيها لتأكل من العشب النابت من الأرض التي كانت في يوماً ما قعر البحيرة, والجفاف أصبح يؤثر في الحالة النفسية للمزارعين بسبب قلة المباه التي تغذي أراضيهم فبالتالي يبدأ مصدر رزقهم الوحيد بالتلاشي فأصبح الحل الوحيد أمام الكثير منهم هو الأنتحار حيث ينتحر مزارع كل أربعة أيام, رقم مرعب. في سنغافورة الوضع مشابه نوعاً ما لأستراليا في حاجتها للمياه لكن الأمطار غزيرة هنا بمعدل 2,5 متر سنوياً بحكم موقعهم المتميز على خط الأستواء ومع ذلك يفتقرون إلى الماء لدرجة اعتمادهم على الجارة ماليزيا لكن حسب ما يدَعون هم لا يحبون الأعتماد على الآخرين لذلك العمل على قدم وساق في سنغافورة لمحاولة توفير الأحتياجات المائية للسكان. الكاتب أعلن اعجابه بالبلد وبالعمل الدؤوب الذي تقوم به في سعيها لتوفير المباه, ووصفها بوصف بليغ حين قال ” لا مناص للزائر الأوربي من أن يتساءل هل ما يزال على كوكبه. ربما وهو غارق في النوم , انتهزت سفينة فضائية الفرصة فحملته إلى مجرة أخرى”. الهند الوضع مختلف كلياً هنا الماء متوفر بكثرة, أمطار غزيرة دائماً ما تسبب في حدوث فيضانات, المياه ملوثة ومحملة بالأمراض هنا الخوف من وجود الماء أكبر من نقصه, وقد ذكر لكاتبنا طبيب هندي كان قد اجتمع معه للحديث عن هذه المشكلة فلخص الحال في جملة واحدة “نقص الماء يقتل, هذا أكيد, لكن نقص وسائل التطهير يقتل أكثر“. بنغلاديش تشبه جارتها السابقة في مشاكل التلوث والفيضانات لكن في هذا البلد تعطى لك دروس في الجغرافيا السياسية وكيفية تحكمها بحياة الشعوب فنهرا الغانج وبراهمابوترا لا تديرهما أي وكالة دولية, ومن هذا المنطلق أصبحت الهند تقرر مصير مياههما والصين كذلك تدلي بدلوها ولا يتبقى لبنغلاديش سوى بعض ما يترك لها من أمتار مكعبة, الوضع لم يقف عند هذا الحد فقد شيدت الهند سد فاراكا قبل الحدود مع بنغلاديش والنتيجة أن تلك المياه أعانت الفلاحين الهنود لكن بعد السد , أي في بنغلاديش, النهر لم يعد يسيل بل أصبح النهر غائصاً في الرمال. لم تكن المباه وحدها التي حُرمت منها بنغلاديش بفعل القوانين السياسية بل الأحجار أيضاً, فالهند عمدت على مد شباك في قعري نهر براهمابوتراو ورافد كوميارا لحبس الأحجار المنحدرة وحرمانهما من نقلهما إلى البلد الجار بنغلاديش. الصين ذلك التنين العظيم, مشكلتها مع المياه من نوع مختلف, وفرة الأمطار موجودة لكن إذا قسمت خريطة الصين من المنتصف لتصبح نصف شمالي ونصف جنوبي تجد أن النصف الشمالي لا يحظى سوى بـ17 في المئة من المياه, إذن تعاني الصين من الأمرين الفيضانات والجفاف كما يذكر مدير عام المياه في وزارة الموارد المائية الصينية بأن بلادنا ثرية بالماء لكن شعبنا بالغ العدد ومياهنا غير موزعة بعدالة في المكان والزمان وذكر جملة أعجبتني كثيراً حين قال “المناخ يتطور لكننا نتحمل جزءاً من المسؤولية, لقد قطعنا أشجار الغابات, وأفرغنا البحيرات وزرعنا مناطق رطبة. النتيجة تتوسع الأرض الجافة عاماً أثر عام”. أورسينا لم يتوقف عند تلك البلدان بل أكمل رحلته حول العالم لمعرفة مستقبل هذا الشريان الأساسي لحياتنا. اعتقد بعد قراءة الكتاب وقراءة الخلاصة التي توصل لها الكاتب وقناعاته السبع التي من خلالها يعتقد بأنها تضع الحلول لأزمة المياه تمثل أمامي أمر واحد لا جدال فيه , الماء موجود وبوفرة لكن المشكلة تكمن في انعدام المساواة في توزيع المياه واستحواذ بعض الدول على الوفير منها تاركةً الأخرين يقبعون في جفاف قاحل لا مصدر للماء فيه يروي عطشهم, وانعدام المساواة في توزيع مورد في أهمية الماء يوفر تربة خصبة لشتى أنواع النزاعات, الحق يقال, لا سيما عندما يكون عدد السكان في تزايد يومي مطرد. قبل أن أختم الحديث عن هذا الكتاب وردت معلومات بسيطة عن نهر جوليبا, ابحثوا عنه ستدهشون وتعجبون منه.

في اليومين الماضين دخلت في تحدي 31 يوماً مع أدريان لليوجا أو كما وصفته تحت مسمى الـ “Revolution” هي تقول أنها ليست مجرد حركات تؤديها لتنفيذ اليوجا ولكن هي رحلة سكينة وتأمل للنفس لمدة شهر, سأرى أن كان ما تقوله صحيحاً أم لا, خصوصاً أن تجربتي السابقة في اليوجا كانت خجولة ولم تكن بشكل مكثف, كنت أمارسها تقريباً مرة كل أسبوعين أو حتى ثلاثة في النادي قبل انتهائي اشتراكي هناك. انضموا معي في هذا التحدي أن أحببتم لنتشارك جميعاً فيما بعد في آرائنا حوله, اليوم سأودي التحدي الثالث.

قبل الختام فيدرير ونادال مرة أخرى يلتقيان في نهائي للجراند سلام, لا أذكر اخر نهائي جمع بينهما لكنه حتماً منذ فترة ليست بالبسيطة, العاشق للتنس والمتابع الجيد يجزم على أنه لم يوجد في تاريخ هذه اللعبة مثل عظمة تحد هذين اللاعبين أن لم تخني الذاكرة فقد تقابلا في ثمانية نهائيات للجراند سلام (ناهيك عن بطولات الماسترز) ويعتبر رقماً قياسياً للعبة لكن يظل عالقاً في ذاكرتي نهائي أستراليا المفتوحة 2009 حين تغلب نادال على فيدرير (للأسف أن الأحصائيات تؤكد علو كعب نادال في مواجهاته مع فيدرير) وبكى بعدها فيدرير بكاءً شديداً, الجميع أستغرب ردة فعل فيدرير خصوصاً أنها قِدمت من لاعب بحجمه حصل على بطولات كثيرة في الجراند سلام وعلى مقربة من تحطيم رقم سامبراس القياسي فيها لكن هذا البكاء كان له تفسير آخر, فيدرير أحس باليأس, باليأس من عدم تمكنه من هزيمة نادال أحس أن كل شيء بناه وأجتهد فيه قد يهدمه مضرب هذا اللاعب الماثل أمامه, الصدفة مرة أخرى تعود وفي نفس المكان, هل سيفعلها فيدرير غداً ويبدل تلك الدموع بابتسامة عريضة؟ أتمنى هذا.

Cuatro

Uno

في الفترة الماضية استمعت لمذكرات فيل نايت مؤسس نايكي عبر تطبيق Audible, بسبب تفضيلي لسماع المذكرات على قراءتها وهنا أتحدث طبعاً عن الأنجليزية منها نظراً لندرة الكتب العربية الصوتية, الكتاب ممتع جداً, حتى أن لم تكن شخص مولع بالتجارة أو تريد خوض مغامرتك الخاصة فيها هذا الكتاب سسيتوقفك حتماً عند أسطره. لا أنكر أنِ شعرت بالملل في بعض الفصول خاصةً المتعلقة بالقضية بينه وبين الممول للأحذية من اليابان في شركته الأولى Blue River, لكن شغفه وتعلقه بالركض جعلته ملم بكل مايتعلق بالأحذية الرياضية ومنها إلى الأتجار من خلالها, صفة الولع بالركض لدى نايت هي من جعلتني مستمعه جيده للمذكرات (شيء مشترك بيننا). جونسون ونايت الصديقان , بدأ كل شيء من البداية شهدا التحديات والصعوبات من البداية معاً, صحيح أن جونسون كان يعمل لدى نايت من فرع الشركة في كاليفورنيا لأن موقع الشركة يقع في ولاية أوريغون, لكن تلك العلاقة تستحق تركيز انتباهك عليها. جونسون شخص شغوف ظل يمد نايت بأفكار لتصاميم أحذية, أفكار لطرق توزيعها, أفكار لتوسيع رقعة تجارتهم لكن كل هذا كان يقابل بالصمت من قِبل نايت ,لا تعليق, لا تأكيد ولا حتى رفض كان جونسون يختم رسائله بقول ” أحتاج إلى تشجيع أكبر أو قل لي هل هذا الأمر رائع أم سيء” وفي كل مرة نايت يكتفي بالصمت بعد فترة قال جونسون لنايت طريقتك في إدارة الأمور جعلتني حراً أكثر أتخذ قراري بنفسي أفكر في أمر ما وأقوم بفعله على الفور دون أن أنتظر الموافقة من أحد. طريقة إدارته للعمل لفتت انتباهي هل فعلاً بتلك الطريقة تجعل الموظفين من غير قيود, يتخذون قرارات مصيرية ومهمة دون الرجوع إلى رب العمل أم هي عشوائية كُتب لها النجاح بالصدفة؟

الكتاب الثاني كان ورقي وأنهيته قبل مذكرات نايت ولعلي ذكرته في تويتر للمتابع لحسابي هناك بل واقتبست منه بعض الأسطر, الكتاب يصنف ضمن الكتب التاريخية التصنيف العشق بالنسبة لي, تحت مسمى “الموت في فلورنسا” للكاتب بول ستراثيران الكتاب يقع في أكثر من 600 صفحة من القطع المتوسطة ويتحدث بإسهاب عن عائلة ميديتشي وتأثيرهم الكبير في عصر النهضة من مسقط رأسهم في فلورنسا لجميع أنحاء أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي, لم يكتفي الكاتب بذكر عائلة ميديتشي بل انتقل إلى صراعهم مع سافونارولا مؤسس المسيحية الجديدة أو بما معناه المسيحية من العهد القديم قبل أن تلوثها أيدي كهنة وباباوات الكنيسة الكاثلوكية على حسب رأيه.

الكتاب ممتع كُتب وسرد بطريقة الرواية عنصر الملل والفتور اللذان كانا يصيبانك عند قراءة الكتب التاريخية سيختفي في هذا الكتاب, صراعات العوائل وتحالفاتهم, عائلة ميديتشي بسلبياتها وإيجابياتها وتأثيرها على المدينة وعلى أوروبا بشكل عام, وأيضاً ظهور لفناني ذلك العصر مثل ميكيايل أنجلو وليوناردو دافينشي وبوتشيلي وغيرهم كثير جميعها مغريات لقراءة الكتاب والأستمتاع به.

إذن الكتاب أنصح به وبشدة لكل مهتم بالتاريخ وخصوصاً معرفة بداية عصر النهضة في أوروبا, ولن أنسى الصراع الذي تلا هذه الأحداث صراع العلمانية مع الدين (الصراع الأبدي).

Dos

صباح الأثنين الماضي عرض حفل الغولدن غلوب, شخصياً أنا مغرمة بمثل هذا النوع من الحفلات ابتداءً بالأوسكار إلى الإيمي وانتهاءً بالغولدن غلوب وغيرها كثير, ليس الأهتمام لمعرفة من سيربح الجائزة ومن سيهزم (رغم انها تضيف الحماس لا أنكر هذا) أو ماهي الكلمة التي سوف يلقيها الفائز بالجائزة وسوف تندرج تحت أي موضوع سياسي مناخي فكاهي, لا ليس لهذه الأسباب بل لأجل الجو المصاحب لمثل هذه الحفلات كنوعية الفساتين التي ترتديها النجمات لتسريحات الشعر الكلاسيكية أو الجريئة منها للمجوهرات المشعة أمامنا من خلال الشاشة, أعشق تتبع هذه الأمور ولم لا الضحك على بعض الأطلالات الغير موفقة (سارة جيسكا باركر كان لها النصيب الأكبر).

في هذا الحفل لفت نظري بشكل كبير طلة إيما ستون, الفستان بقصته الكلاسيكية  والنجوم المطرزة على القماش  والعقد الذي أضاف جمالية أخرى , تسريحة الشعر الناعمة, أحسست بكمال هذه الطلة لا يهمني رأي مجلات الموضة وخبرائها كل اللذي يهمني عندما رأيت الفستان والهيئة لأول مرة هل أعجبتني أم لا؟ الجواب نعم أعجبتني بشكل كامل.

Tres

أسبوعان مضيا وأنا أحاول تأدية التمارين الرياضية وتطبيقها مباشرة من اليوتيوب, وأحياناً أخرى من خلال بعض الأوراق التي تشرح بعض التقنيات والحركات اللازمة لأنواع مختلفة من الرياضة. أعترف بفشلي في تأدية الرياضة في المنزل منفردة , أمر يصعب تحقيقه الوضع مختلف عما كان عليه في النادي بمعية فتيات أخريات ومدربة تصرخ لكي توقظ الحماس بداخلك والجو العام المحيط بك كلها دوافع تجعل من الرياضة أمراً ممتعاً.

سبب تحولي من النادي الرياضي إلى المنزل هو انقضاء فترة اشتراكي الممتدة لـ8 أشهر متواصلة في ديسمبر الماضي, لن أدعي بأنِ كنت من المواظبين على الذهاب أسبوعياً ففي بعض الأسابيع أجد نفسي احضر من ثلاث لأربع أيام في الأسبوع وبعضها الأخر أتغيب عن كامل الأيام, ولكن تقضية الوقت هناك كان شيئاً ممتعاً والنتيجة واضحة على الصعيدين النفسي والبدني, لا أعلم أشعر بأن فكرة العودة تراودني ولكن مازال المبلغ المبالغ فيه من وجهة نظري عائقاً كبيراً لكن سأمهل نفسي مدة أطول لعلي أغير نظرتي تجاه التمارين المنزلية أو حتماً يجب علي العودة للنادي.

Cuatro

التغيرات المناخية, الأحتباس الحراري, لعلها أكثر الجمل التي تتكرر على مسامعنا هذه الأيام , أتذكر جيداً المرة الأولى التي لفت انتباهي هذا الموضوع بسبب الوثائقي الخاص بآل غور “An Inconvenient Truth” لن أنسى حماسي عندما قمت بالتسجيل في الموقع الخاص به لمعرفة آخر التطورات ولم لا التطوع  في بعض الأمور, ما زلت إلى الآن أتلقى الإيميلات من الموقع لتطلعني على آخر المؤتمرات المنعقدة وأهم القرارات الصادرة بشأن تلك التغيرات المناخية, لكن هل قمت بعمل شيء, لا.

سبب تطرقي لهذا الأمر هو عنوان الكتاب القادم الذي أنوي القيام بقرائته خلال الأسبوعين القادمين (نعم أحد أهداف العام الجديد  ان أقوم بقراءة كتاب كل أسبوعين) يحمل عنوان “مستقبل الماء” من تأليف إريك أورسينا كُتب في تعريف الكتاب

بالنسبة إلى إريك أورسينا لن تحصل أزمة مائية شاملة تطال العالم بأسره بصورة متزامنة, إنما أزمات محلية وإقليمية متفرقة  فالأحتباس الحراري سيؤدي بالأحرى إلى رفع كمية الماء الإجمالية على الأرض. لكنه سيفاقم بشكل مأساوي إنعدام المساواة على صعيد مناطق العالم فبعضها سيواجه فيضانات عارمة, وبعضها سيعاني من جفاف متزايد

إذاً حتماً الموضوع سيكون شيقاً أتمنى أن أستمتع مع هذا الكتاب وأن أنقل لكم ملخصاً لأهم ماورد فيه إذا أعجبني طبعاً.

متعة الاكتشافات الجديدة

tumblr_m5znwtXCtZ1rppeeoo1_r1_500

كنت أتصفح موقع التمبلر لتقع عيني على هذه الصورة كُتب تحتها (فيليب روث روائي أمريكي متقاعد – 1968م). في البدء أعترف بإنجذابي للصورة , لما لا وفيها مقومات الجمال بالنسبة لي رجل في منتصف الثلاثينات كرسي وآلة كاتبة  نظارة في الوجه  والسر الأكبر الألوان (الأبيض والأسود).

كنت قد قررت منذ فترة ليست بالقريبة الخوض في غمار الأدب الأمريكي لماذا؟حسناً نظراً لكم الأفلام والمسلات وبرامج التلفاز التي تنتج في تلك البلاد, ولشعبيتها الجارفة بيننا من بينهم أنا إذاً من الضروري استنادها على أدب (روايات – قصص قصيرة) حتى تبرز بهذا الشكل الكبير.

كانت لي محاولات عديدة لإقتحام هذا الأدب, في البداية كانت المصافحة مع إرنست هيمنجواي وروايته “لمن تقرع الأجراس” ويبدو ان تلك الأجراس قد خبت صوتها فصعب علي الأستماع لها, ناهيك عن أحداث تلك الرواية تجري في الأراضي الإسبانية وليس الأمريكية, كانت مصافحة سيئة للغاية جعلت مني وحيدة مرة أخرى في عالم هذا الأدب ثم اتى جون ستاينبيك وروايته ” عناقيد الغضب” هنا سأذكر اعترافاً صغيراً ربما لم أكن مهيئة تماماً لقراءة رواية بهذا الحجم وبتلك الأهمية نتج عن ذلك نفور أدى إلى ترك الرواية جانباً وربما العودة لها في وقت لاحق ان شاءالله. إلى ان جاء بول أوستر وكتابه ” في بلاد الأشياء الأخيرة” انهيتها بسرعة ربما لقصر حجم الرواية أعجبتني لم تكن بالعمل المذهل لكن تركيبة الرواية وشخوصها كانت أمريكية بحتة هنا وجدت نفسي أخيراً في رواية ذو عالم أمريكي ومن أجل هذا السبب بحثت عن روايات أخرى لأوستر فكانت روايته “رجل في الظلام” ويالحسن الحظ كانت أجمل من سابقتها ذلك الأعجاب دفعني لشراء كتابي سيرة ذاتية له (باللغة الإنجليزية) هما: “The Invention of Solitude – Winter Journal” بدأت في قراءة الأولى لكن مع الأسف لم انهها إلى الآن والسبب لأن قراءتي الإنجليزية مازالت بطيئة وتحتاج إلى تدريب أكثر ما ان أصل إلى جملة يصعب علي فهمها حتى يتعكر المزاج مما يؤدي لعودة الكتاب إلى الرف, لكنني مازالت أمني النفس على إكمالها.

نعود لتلك الصورة بعد ما رأيتها أخذت الاسم “فيليب روث” كتبته في محرك البحث غوغل ظهرت لي نتائج عديدة قرأت بعض المراجعات الحسنة لرواياته في موقع الـGoodreads  وأتكلم هنا عن النسخ المترجمة للعربية , قررت إضافة كلمة أخرى بجانب فيليب روث في مربع البحث وهي PDF  كان أول خيار أمامي “الوصمة البشرية – فيليب روث ترجمة فاطمة ناعوت” ضغطت زر التحميل لأتفاجئ برواية من الحجم الكبير جداُ حوالي 600 صفحة, هذه مشكلة أخرى كتاب بمثل هذا الحجم يصعب قرائته من خلال قاريء إلكتروني أو ببساطة كما في حالتي من شاشة الجوال, هدئت من روعي وقلت لا بأس سأحاول ولما لا تجربة الأشياء الجديدة شيء جميل, بدأت في قراءة الرواية الصفحة تلو الصفحة وجدت نفسي أمام قلم جذاب وساحر الكلمات تنساب منه بسهولة ولعبة الضمائر كانت عظيمة, و أماكن حدوث الرواية جذابة وأزمنتها ايضاً حيث أنها تتخذ من العام 1998م نقطة انطلاق لها مع العودة إلى الوراء لنصل إلى خمسينيات القرن الماضي ذاكرة أهم الأحداث التي مرت على البلاد. بطل هذه القصة هو البروفيسور كولمن سيلك متخصص في أدب الكلاسيكيات في جامعة صغيرة تدعى أثينا يتهم في آخر عمره المهني بالعنصرية  والسبب نعته لطالبين متغيبين دوماً عن محاضراته بالـ “Spooks”  وهي كلمة تحمل معنيين أحدهما حميد وندر استعماله في ذلك الوقت والآخر عنصري وهي الدارجة  بشكل أكبر لكن السر العظيم هو أن البروفيسور سيلك كان قد تنكر منذ زمن بعيد لأصله خوفاً من معاملته بالعنصرية . ووصف روث هذه الحالة بتلك الأسطر:

السفر والترحال عبر الحياة بشخصية مستعارة, كان ببساطة يغلق الباب في وجه الماضي والناس والعرق الذي لم يرد أن يربطه به أي شيء حميمي أو رسمي. هل كان ذلك هو الحاجز الأجتماعي الذي أراد أن يتخطاه؟ هل كان وحسب كأي أمريكي آخر خلف حدود التقاليد الضخمة رحب بدعوة الديمقراطية التي تنادي بإلقاء أصوله في البحر إذا ما أسهم ذلك في سعادته؟

 

بالطبع الرواية لم تسلط الضوء على سيلك فقط بل هناك شخصيات عدة بمرجعيات مختلفة كالبروفيسورة دلفين روكسي تلك الشابة الطموحة , المستقلة بذاتها والقادمة من فرنسا لتشق طريقها بنفسها هنا في بلاد العم سام بعيداً عن الطبقة البروجوازية المحيطة بها في فرنسا, وكما وصفها روث لنا “العاشقة المتيمة بكونديرا” , هي ستكون السبب الرئيسي في إثارة تهمة العنصرية ضد البروفيسور سيلك مما يؤدي إلى اتخاذه قرار التقاعد, لكنك قد تشعر بالعطف عليها خصوصاً بعد معرفتك بنجاحاتها العملية وفي سن صغيرة جداً إلا انها كانت ومازالت تشعر بالوحدة الشديدة, الوحدة القاتلةالتي تصيب الإنسان عندما يفتقد لإنسان آخر يشاركه حياته. نأتي للشخصية الأغرب والتي غيرت مجرى حياة سيلك, فونيا, ستربطها علاقة مع كولمن سيلك بعد وفاة زوجته وتقاعده, تلك الشخصية النقيض لسيلك في العمر, في المهنة (عاملة نظافة), وفي المستوى التعليمي (لم تتم تعليمها المدرسي). مرت هي الأخرى بظروف صعبة موت طفليها بحريق ونزوات طليقها فيرلي (كالضرب والأعتداء عليه) الجندي السابق في حرب فيتنام والذي مازال يعاني من اضطرابات عصبية نتيجةً لذهابه إلى هناك.

أشياء عديدة سوف تكتشفها في الرواية كالعنصرية, التخفي وراء ماضي مجهول, الوحدة القاتلة, والطبقية. ستكتشف أيضاً تطورات في المجتمع الأمريكي في بدايات القرن العشرين حتى نهايته. إذاً هذه الرواية لم تكن مجرد مصافحة بل كانت عناقاً طويلاً, أعتبرتها عتبة أولى في سلم التواصل مع فكر وخيالات فيليب روث. ذكرني هذا الأندفاع بإندفاع عشته قبل عامين مع الكاتب التركي أورهان باموق ألتهمت له ثلاث روايات وكتاب سيرة ذاتية وآخر مقالي لم يخذلني إلا في واحدة فقط وأتمنى أن ينتابني هذا الرضا حين أقرأ المزيد من كتب فيليب روث.

لكن لو عدنا للصورة مرة أخرى ستجدون كلمة كُتبت تحتها “كاتب متقاعد” هي بصراحة المرة الأولى التي أسمع فيها هذا الوصف لكاتب مازال على قيد الحياة, دائماً مايكون الحد الفاصل بين الكتابة والتوقف عنها هو الموت. بحثت في لقاءات فيليب روث في الأنترنت ووجدت هذا اللقاء المترجم في مجلة الدوحة في صحيفة فرنسية بعد إعلانه عن التقاعد, سأذكر بعض المقتطفات منه لعلها تشرح الأسباب التي أدت لإتخاذه هذا القرار:

لم أعد أريد كتابة الروايات. لقد اكتفيت بعد خمسين سنة, لقد تخلصت من سيدي وصرت أتنفس بحرية, لم أعد أريد أن أكون عبداً لمتطلبات الأدب ودقته, لم أكن أرغب في المتابعة وتوقفت هذا كل شيء

وهنا يتحدث عن انحدار القراءة في عصرنا الحالي:

الأشخاص الذين يأخذون القراءة على محمل الجد يتراجع بسرعة في الولايات المتحدة, هذا الأمر أكيد حتماً نحن مضطرون إلى الإقرار بالنجاح الكبير للشاشات من كل الأنواع. المطالعة الجدية أو العابرة لاتتمتع بفرصة أمام الشاشات: أولاً شاشة السينما ثم شاشة التليفزيون, وحالياً شاشة الكمبيوتر التي تنتشر, واحدة في الجيب, وأخرى على المكتب وثالثة في اليد وقريباً ستوضع واحدة بين أعيننا. لماذا لاتتمتع المطالعة الحقيقة بأي فرصة؟ لأن المتعة التي يشعر بها المرء أمام الشاشة أسرع وأكثر حسية.لم تعرف المطالعة عصراً ذهبياً في الولايات المتحدة ولكنني شخصياً لا أتذكر أنني شهدت عصراً حزيناً كهذا بالنسبة للمطالعة

 

tumblr_mropiwNrxg1r8z8kao1_400

مخرج:

في الصيف الماضي كنت في رحلة سياحية لمدة شهر في الولايات المتحدة الأمريكية زرت فيها الساحلين الشرقي والغربي ركبت العديد من الطائرات حتى ضجرت منها. عندما أقترب موعد رحلة العودة أقترحت على أخي الذهاب إلى مطار مدينة واشنطن بالسيارة وإلغاء رحلة نيويورك – واشنطن, لأن سير الرحلة كان كالآتي (نيويورك-واشنطن-جدة-الرياض) كانت فرصة لاتعوض لأكتشاف المساحات الخضراء الشاسعة بين المدينتين, لأن الطبيعة في هذه المكان من البلاد تختلف كلياً عما كانت عليه في كاليفورنيا, الصخرية إلى حد ما, هي أشبه بالطابع الأوروبي. وافق أخي على الأقتراح سريعاً. سرنا في الطريق الواصل بين المدينتين كانت المسافة تزيد بقليل عن الـ300 ميل أي مايعادل ثلاث ساعات ونصف أو أربع ساعات, إذا كان هناك زحام وهو ماشهدناه على الطريق, بالسيارة. بعد خروجنا من نيويورك مررنا بولاية نيوجرسي لن أنسى تلك اللوحة الخضراء ذات السهم الأبيض المشير إلى مخرج قادم لمدينة تدعى Newark  نيوآرك؟ أذكر استغرابي من الأسم وقلت لأخي “هذه المدينة تريد أن تستنسخ اسم مدينة نيويورك لعله يضفي أهمية عليها لكن ياللفرق الشاسع” قلت هذا وأنا أنظر من نافذة السيارة على أطلال المدينة كانت صغيرة قديمة “متسخة” لا أعلم لماوصفتها بذلك لكنها كانت تبدو فعلاً متسخة.

الآن بعد تعرفي على روث أكتشفت أن تلك المدينة هي مسقط رأسه وجل أحداث رواياته تحدث فيها رغم مغادرته لها في سن السادسة عشر بعد خلاف مع والده, لا أعلم لكن ينتابني شعور بالندم لو كنت عرفت روث قبل تلك الرحلة لكان حتماً علي اتخاذ مسار المخرج والذهاب لتلك المدينة.